الشيخ محمد مهدي الآصفي

29

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

والجواب : إنّ من غير الممكن أن يتجاوز الإنسان ( الأنا ) في عزلة من الناس ، وهو شرط أساس في الحركة إلى الله تعالى . إنّ الإنسان قد يتصور إذا اعتزل الناس وابتعد عن الحياة الاجتماعية ، يتحرّر من الأنا والهوى ، ولكنه يخطئ كثيراً ، فإنّ نزعات الأنانية تبقى مطوية في خبايا دهاليز النفس العميقة ، وهو غير شاعر بها ، فإذا دخل الحياة الاجتماعية ، واحتك بالناس وأثاره الناس ، برزت هذه النزعات المخبوءة على السطح الظاهر من شخصيته ، ولا يمكن اجتثاث هذه النزعات ، والقضاء عليها ، إلّا في وسط الحياة الاجتماعية . إنّ هذه النزعات لا يمكن استئصالها إلّا من خلال صراع مرير مع النفس في وسط الحياة الاجتماعية ، ولا شك أنها تختفي في حياة العزلة والرهبانية ، وتبقى كامنة ومختفية في النفس ، ولكنها عندما تصادف فرصة مناسبة ، وجوّاً مناسباً ، تبرز مرة واحدة ، ولذلك نجد فشل وانتكاسة الكثير من التجارب الرهبانية عند أوّل احتكاك بالحياة الاجتماعية . إنّ الحقيقة المؤسفة في هذه التجارب التجريدية للنفس : أن النوازع الفردية لم تنته ، ولم تمت أثناء التجربة الرهبانية ، ولكنها تخمد لعدم وجود الوسط الملائم لبروزها وحركتها ، وعند أول احتكاك بواقع الحياة الاجتماعية تعود قوية نشطة . ولذلك لابدّ من هذا الوسط الاجتماعي ، والحياة الاجتماعية ، والحضور في وسط المغريات ، والمثيرات ، والفتن « 1 » ، ليستطيع الإنسان أن يتجاوز ( الأنا ) بصورة كاملة . وحقيقة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى ، وهي أنّ حركة الإنسان إلى الله تعالى حركة شاقة ، عسيرة ، وصعبة ، ولا يستطيع الإنسان أن يطوي هذا الطريق

--> ( 1 ) وليس معنى ذلك أن يعرض الإنسان نفسه لمزالق الشيطان ، ويحضر مواقع الفتنة ، وبين هذا وذاك فرق لا يخفى على اللبيب .